سلسلة محاضرات حنا بطاطو

المحاضرة السنويّة للمجلس العربي للعلوم الاجتماعيّة: فرصة للاحتفاء بعلماء اجتماع بارزين من المنطقة العربية

تشكّل المحاضرة السنوية إحدى الفعاليات العامة الرئيسية التي ينظمها المجلس العربي للعلوم الاجتماعية. وهي فرصة لنرحبّ بعلماء اجتماع بارزين من المنطقة العربية لتقديم أعمالهم وتعزيز النقاشات حول القضايا المعاصرة والتحديات التي تواجه عالمنا العربي اليوم، فضلًا عن استحضار التاريخ وإرث الماضي.

ستتخذ المحاضرات السنوية شكل سلسلة يتبدّل محور تركيزها وموضوعها كل أربع سنوات. وستقوم السلسلة بتكريم علماء بارزين يمثلون أعظم العقول التي تتناول شؤون المنطقة العربية. وستكون المحاضرات مفتوحة للجمهور وستمنح العلماء، والطلبة، والصحافيين، والكتاب، وغيرهم فرصة مشاركة آرائهم والتشبيك مع بعضهم البعض.

وتعقد المحاضرة السنوية الأولى في 14 تشرين الأوّل/أكتوبر 2015 في العاصمة اللبنانية بيروت. بعدها ستعقد في فصل الخريف من كل عام في بلد عربي مختلف. وتحيي السلسلة الأولى (2015-2018) ذكرى الأستاذ حنا بطاطو (1926-2000) عبر تقدير أعمالالمؤرّخ والعالم السياسي الفلسطيني الراحل ومساهماته بحيث تعتبر أعماله التي تناولت العراق وسوريا من أبرز الدراسات عن الدول العربية الحديثة ومجتمعاتها.

اجتمع المدرّسون زملاء الأستاذ بطاطو، وطلابه السابقون، وأصدقاؤه من جميع أنحاء العالم لتحويل سلسلة المحاضرات هذه إلى احتفال متواصل بحياته وأعماله. وبالإضافة إلى سلسلة المحاضرات، سيعمل المجلس العربي للعلوم الاجتماعيّة على توثيق أعمال الأستاذ بطاطو للمساهمة في جعلها معروفة أكثر ونشرها على نطاق أوسع.

المحاضرة الثانية (عمان، 2016) :

المجتمع والتاريخ في العراق بين حنّا بطاطو وعلي الوردي

ألقت المحاضرة الثانية المعنونة "المجتمع والتاريخ في العراق بين حنّا بطاطو وعلي الوردي" المؤرخة اللبنانية-الأميركية، دينا رزق خوري.

الدكتورة خوري أستاذة في التاريخ والعلاقات الدولية في جامعة جورج واشنطن، وحائزة على زمالة مؤسّسة غوغنهايم. حصلت على درجة الدكتوراه من جامعة جورج تاون تحت إشراف حنّا بطاطو في العام 1987. حاز كتابها الأوّل "الدّولة والمجتمع الولاية في الأمبراطوريّة العثمانيّة: الموصل 1519 – 1834" (State and Provincial Society in the Ottoman Empire: Mosul 1519-1834) (منشورات جامعة كامبريدج، 1997، 2002) على جائزة فؤاد كوبرولو(الجائزة تمنح كل سنتين) السنوية من جمعية الدراسات التركية، وعلى جائزة الصداقة الكويتية – البريطانية من الجمعية البريطانية للدراسات الشرق أوسطية. أمّا كتابها الثّاني "العراق في زمن الحرب: التجنّد والإستشهاد والتذكّر" (Iraq in Wartime: Soldiering, Martyrdom and Remembrance) (منشورات جامعة كامبريدج، 2013)، فيمثّل تاريخًا إجتماعيًا لحرب إيران – العراق وحرب الخليج في العام 1991. ويبحث مشروعها الجديد في الجنسية والمواطنة في العراق والخليج من أواخر القرن التاسع عشر، وحتى إصدار قوانين الجنسية الحديثة في العشرينات من القرن الماضي.

تركّز محاضرة الدكتورة خوري على كتابات حنّا بطاطو وعلي الوردي، والمقتضيات التي تفرضها منهجيتيهما المختلفتين على فهمنا لتاريخ وسياسات العراق اليوم. لقد استخدم كلٌّ من العالم السياسي الفلسطيني وعالم الإجتماع العراقي مقارباتٍ مختلفةً جذريًا، وتوصّلا إلى استنتاجاتٍ متباعدةٍ عن طبيعة المشروع الوطني في العراق الحديث.

مستندًا إلى التحليل الطبقي الماركسي، تتبّع حنّا بطاطو أثر التنمية في المجتمع العراقي من مجتمعٍ سابقٍ للحداثة ومبنيٍ على الولاءات القبليّة والجَماعيّة، إلى مجتمعٍ طبقي حديث تتعايش فيه ولاءات الطبقة والأحزاب السياسية، وتستبدل في بعض الأحيان الولاءات الأقدم عهدًا والأكثر تقليديّة. على العكس من هذا، إستند علي الوردي إلى التفكير الإجتماعي لابن خلدون، بالإضافة إلى عمل علماء النفس الإجتماعي الأميركيّين. وفهم الوردي تاريخ العراق ليس كتطوّر خطّي من أشكال سابقة للحداثة من التنظيم الإجتماعي إلى أخرى حديثة، بل كصراع مستمرّ بين الحضارة والبداوة، وبين ثقافات الحياة المدينيّة المستقرّة والولاءات البدائيّة للقبيلة والطائفة.

إنّ كتابة بطاطو لتاريخ الحزب الشيوعي العراقي وحلّه على يد البعث في أواخر السبعينات من القرن الماضي في أوْج صعود القوة البعثية تُظهر إيمانه في قدرة التعبئة الشعبية على صنع التغيير في المجتمع. أمّا علي الوردي، فلم يكن لديه هذا النوع من الإيمان، إذ رأى في سياسات انتفاضة 1920، التي يدّعي التأريخ الوطني  أنها مثّلت لحظة ولادة الأمة العراقيّة الحديثة، سياسات غارقة في وحول الولاءات القبلية والطائفية. وقادت مقاربة الوردي الإثنوغرافية إلى تأكيد أنّ الشخصية الثقافية للعراقيين/ات غير قادرةٍ على استيعاب الأشكال الحديثة منالتنظيمات الاجتماعية الإجتماع.

وعند النّظر إلى تواريخ العراق الحديث لكلٍّ من بطاطو والوردي في العام 2016، يميل المرء إلى العثور في عمل الوردي على الكثير من المعلومات التي تساعد في فهم العراق اليوم. منذ التسعينات، بدأت إعادة نشر أعمال الوردي وتداولها بشكل واسع، استجابةً لمساءلة واسعة في العالم العربي لمشروع الحداثة وأنظمة ما بعد الإستعمار التي حكمت منذ الخمسينات. أمّا التحليل الطبقي لدى بطاطو وتفاؤله النسبي في مشروع الحداثة، فيبدوان غير مطابقَين للوقائع الحالية في العراق. لكن على الرّغم من هذا، سوف نفقد جزءًا عظيمًا من التبصّر في التاريخ الحديث للعراق، إذا ما نظرنا إلى تاريخه الإجتماعي من خلال عدسة الوردي حصرًا. وفي هذه الحال، سوف نفقد في ما نفقد، إنجازات مشروع التحديث في العراق، وإن كانت إشكاليّة، وكذلك إمكانيّة الكلام عن مستقبلعراقي خارج قيود الطائفة والقبيلة.

المحاضرة الافتتاحيّة (بيروت، 2015) :

ثورة 1908 الدستورية كمرحلة فاصلة في تاريخ بلاد الشام: قراءة في إشكاليات التاريخ المحلي

سيلقي المحاضرة الأولى المعنونة "ثورة 1908 الدستورية كمرحلة فاصلة في تاريخ بلاد الشام: قراءة في إشكاليات التاريخ المحلي" عالم الاجتماع الفلسطيني، الأستاذ سليم تماري.

الدكتور سليم تماري أستاذ علم اجتماع في جامعة بيرزيت، وأستاذ مساعد في مركز الدراسات العربية المعاصرة في جامعة جورج تاون. وهو كبير الباحثين في مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة، ومدير سابق لمؤسسة الدراسات المقدسية التابع لمؤسسة الدراسات الفلسطينية، وهو رئيس تحرير Jerusalem Quarterly وحوليات القدس. قام بتأليف العديد من الأعمال عن الثقافة الحضرية، وعلم الاجتماع السياسي، والسيرة الذاتية، والتاريخ الاجتماعي، وركّز بشكل خاص على فلسطين ومنطقة شرق المتوسط.

وتعالج هذه المحاضرة تجليات الثورة الدستورية التي أطاحت بالطغيان الحميدي وفتحت آفاق نظام سياسي اجتماعي جديد في حواضر بلاد الشام. وسيقدّم الدكتور تماري قراءة جديدة لمساهمات مؤرخين محليين، تبنوا مواقف متباينة من الثورة الدستورية ومن مفهوم اللامركزية العثمانية.

وتركّز هذه المحاضرة بشكل خاص على التحولات الاجتماعية المفصلية التي اجتاحت مدينة نابلس خلال الثورة والثورة المضادة (1909) من خلال أعمال هؤلاء المؤرخين المحليين: رفيق التميمي ومحمد بهجت في اثنوغرافيا بيروت، ودمشق، وحلب، والقدس، والبلقاء؛ وإحسان النمر في الدفاع عن السلطنة العثمانية وإدارتها للولايات الشامية؛ ومحمد عزت دروزة في تحليل الثورة الدستورية والثورة المضادة.

وستحاول هذه المحاضرة الإجابة على مفارقة تصدي أول حزب عربي معادي للإقطاع (الجمعية الحمادية، نابلس 1902) للثورة الدستورية وارسال متطوعين للقتال مع فيالق الثورة المضادة. كما ستحاول تسليط الأضواء على أهمية قراءة التاريخ المحلي في فهم الصراع الذي اجتاح بلاد الشام بين مبدأ العثمانية والتيارات القومية الانفصالية.

وترتكز قراءة الدكتور تماري على تراث حنا بطاطو في تحليل علاقة الأرياف مع المدينة، وعلاقة الفلاحين مع الدولة، والتغير الهيكلي في بنية الفئات المحلية المهيمنة على الدولة المركزية.

حنا بطاطو: أبرز مؤرخي العراق المعاصر

كان حنا جون بطاطو (1926-2000) مؤرّخًا معروفًا عالميًا وخبيرًا مرموقًا في شؤون العالم العربي المعاصر، وتحديدًا تاريخ العراق وسورية. وُلد حنا بطاطو في القدس في فلسطين وهاجر إلى الولايات المتحدة في عام 1948. تركت نكبة فلسطين والشعب الفلسطيني أثرًا بالغًا فيحياته. تابع دراسته بين عامي 1951 و1953 في كليّة إدموند والش للشؤون الخارجية في جامعة جورج تاون وحاز على جائزة مرموقة مخصّصة للطلاب في مرحلة البكالوريوس. كما حصل على منحة لدراسة العلوم السياسية في جامعة هارفارد حيث التقى بارينجتون مور الابن وهربرت ماركوز وتأثر بشدة بمنهجهما الماركسي. باتبطاطو يُعرّف طلابه عن نفسه لاحقًا بأنّه ماركسي مستقل تمامًا كما كان يفعل مرشده ماركوز. أبدى اهتمامًا بالتاريخ السوفياتي، ولكنّه كتب في نهاية المطاف عن العراق. حاز على درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد في عام 1960 وقدّم أطروحة بعنوان "الشيخ والفلاح في العراق"، 1917- 1958.

درّس بطاطو في الجامعة الأميركية في بيروت بين عامي 1962 و1982، ثم انتقل للتدريس في جامعة جورج تاون من عام 1982 إلى أن تقاعد في عام 1994، وتولّى في تلك الفترة أيضًا كرسي الدراسات العربية التابع للشيخ صباح السالم الصباح في مركز الدراسات العربية المعاصرة.تمّ تعيينه في وقت لاحق أستاذًا فخريًّا بعد تقاعده.

من الخمسينات وحتى وفاته في عام 2000، كرّس بطاطو كتاباته ومهنته ليَدرُس ويُعلّم ويكتب عن تاريخ الشرق الأوسط الحديث، وبشكل خاص عن العراق وسورية. حدّدت كتابات حنا بطاطو أعلى المعايير بالنسبة للمؤرخين والباحثين، حيث وضع بشكل فعّال أساسًا علميًّا لدراسة التنمية المجتمعية في العراق الحديث وسورية الحديثة وتحليلها وتوثيقها تاريخيًّا. ويرتكز منهجه على علم الاجتماع السياسي، حيث يدرس بالتفصيل العوامل الاجتماعية للتنمية، مع التركيز بوجه خاص على التركيبة الاجتماعية للحركات السياسية المعنيّة.

بدأ بطاطو دراسة تاريخ العراق في الخمسينات وقد تأثّر بالحركات الثورية التي سادت آنذاك في ذلك البلد، وركّز بشكل خاص إنما ليس حصرًا على الحزب الشيوعي العراقي. منذ أواخر الخمسينات سافر بطاطو إلى العراق عدة مرات. ونجح في لقاء سجناء سياسيين شيوعيين كما استطاع الوصول لملفات الشرطة السرية قبل وقوع ثورة 1958. وساعده خطاب توصية من صديق عراقي في الوصول إلى أرشيفات أجهزة الأمن تعود لفترات مختلفة من تاريخ العراق وصولًا إلى السبعينات. وبفضل هذه السجلات وعلاقاته المتشعّبة بشخصيات من مختلف الحركات السياسية تمكّن من كتابة دراسته عن التغيرات السياسيّة التي شهدها العراق تحت عنوان "الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق" (1978، برينستون). وشكّل عمله حول العراق دراسة بارزة لتاريخ العراق الحديث ومن أفضل الأعمال التي نُشرت عن منطقة الشرق الأوسط في النصف الثاني من القرن العشرين. فقد مهدت الطريق لأي دراسة تناولت العراق الحديث وتاريخه السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

هذا وأجرى بطاطو دراسة عن سورية، حملت عنوان "فلاحو سورية، أبناء وجهائهم الريفيّين الأقلّ شأنًا وسياساتهم" (1999، برينستون). وأشاد الأستاذ ل. كارل براون بهذا العمل حيث قال إن "بطاطو يجسّد العراقة من خلال بحثه الشامل والمذهل... إنّها دراسة اجتماعية سياسية متينة عن سكان الريف في سورية الحديثة وسيكون لها مكانتها بين الأعمال الكلاسيكية التي تتناول تاريخ الريف".

أمّا يحيى سادوفسكي، أستاذ في دراسات الشرق الأوسط في كليّة بول نيتزه للدراسات الدولية المتقدمة التابعة لجامعة جونز هوبكنز، فوصف بطاطو بأنّه ''ربما أعظم عالم سياسيّ يقوم بدراسة الشرق الأوسط في العقود الخمسة الماضية، وتحليلاته للعراق وسورية لم يسبق لها مثيل من حيث مستوى التفاصيل، وفهمها الدقيق، وقوّة استنتاجاتها". وقال عباس أمانة، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط الحديث في جامعة ييل، إن كتاب بطاطو المُبدع عن العراق ''لا يزال يحتفظ بمكانته باعتباره من أبرز الأعمال التاريخية في شرق أوسط القرن العشرين". غير أن بطاطو كان يتحدى التصنيفات ويكرهها.

بالإضافة إلى أعمالهالبارزة والراسخة، كان بطاطو مُدرسًا متفانيًا ومحبوبًا ومُرشدًا ملهمًا لأجيال من العلماء. كانت محاضراته شاملة، ومُعدة بدقة، ومنظمة، وغنية. كان رجلًا متواضعًا للغاية وودودًا. وعلى الرغم من انه عاش حياته منعزلًا وكرّسها للعلم والمعرفة، كان يجتمع في بعض الأحيان بطلابه، ويدعوهم لزيارته في منزله. أصيب بطاطو بالحزن الشديد إثر اندلاع حرب الخليج عام 1991 ضد العراق وتداعياتها المدمرة ما سرّع قراره بالتقاعد. فقد انتابه القلق بشأن استخدام المعرفة التي شاركها بسخاء لإلحاق الأذى بالمجتمعات والشعوب التي قام بدراستها بشغف واحترام فائقين.

أمّا آخر مشاريع بطاطو، فكان عملًا بارزًا عن تاريخ فلسطين راح يُخطّط له ويجمع المواد والمعلومات لإنجازه، إنّما للأسف رحل عن هذا العالم قبل أن يتمكّن من إنهائه.